الخطاط .. والتركيب الخطي .. (الحلقـة السابعة)

بقلم د. روضان بهية داود

رئيس جمعية الخطاطين العراقيين

(التركيب الخطي)

هو جعل الحروف والكلمات للنص المخطوط تتراكب وتتقاطع بعضها مع بعضها الآخر ضمن هيأة معينة قد تكون هندسية من قبيل الدائرة أو البيضوي أو المربع أو المثلث أو المستطيل أو أي مضلع منتظم ، أو مساحة زخرفية معينة ، أو هيأة أيقونية ، أو هيأة حرة . وظاهرة التركيب اتسمت بها بعض الخطوط العربية دون أخرى ، ومن أبرزها خط الثلث الجلي والديواني الجلي والكوفي والديواني الغزلاني والطغراء ، ويقبل خط النستعليق التركيب دون أن تتقاطع حروفه ، أما الخطوط الأخرى كالنسخ والديواني والرقعة والإجازة فهي خطوط وظيفية وليست زخرفية ولذلك فهي لاتقبل التركيب .

وفي التركيب الخطي تتقدم صفة (الزخرفية) على (الوظيفية) ، فخط الثلث الجلي مثلا يعد من أهم وأفضل الخطوط التي تستخدم في تزيين الجدران والقباب والمحاريب والمآذن في الأضرحة المقدسة والمساجد فضلا عن التحف المنقولة والأبواب وشبابيك مراقد الأئمة والأولياء ، والمطرزات وغير ذلك . ويعد التركيب الخطي نقلة نوعية في تطور فن الخط العربي ، فقبل أن يتم الإهتداء إليه كان الإستخدام الأساسي لآي نوع من أنواع الخط هو لآغراض تدوين النصوص مع مراعاة الوضوح والمقروئية والدقة بحيث لايحصل عند المدوّن (تصحيف) ولا (تحريف) ، والتصحيف هو عدم وضع النقاط في مواضعها الصحيحة ، والتحريف هو تغيير شكل بعض الحروف على غير مايفترض أن تكون فتُقرأ كحرف آخر لمقاربتها بالشكل . والذي ساعد على ظهور فن التركيب هو مطاوعة حروف الخط ــ لاسيما الثلث ــ وتعدد أشكال بعض حروفه ، وإمكانية مد بعض الحروف أو تقليصها بحسب الذائقة الفنية للخطاط ومقتضيات المساحة المقررة دون تعسف أو مبالغة .

ويبدو أن الإهتداء لفن التركيب جاء بفعل الميل الفني لتوظيف الخط كبنية (زخرفية) لتجميل المباني أو التحف المنقولة ، يساعد على ذلك التشابك والتراكب والتقاطع بين الحروف ، فضلا عن استخدام (الحركات الإعرابية) بوصفها ضرورات لصحة قراءة النص بحسب قواعد اللغة العربية ، وكذلك استخدام (الحركات التزيينية) وهي طائفة من الأشكال التي يوظفها الخطاط لمعالجة الفضاءات البينية أو سد الفراغات بين الحروف بشكل مناسب ومدروس . والحقيقة أن (الحركات التزيينية) لم تكن في أساسها القديم لمعالجة الفضاءات البينية ــ كما هو الحال الآن ــ وإنما كانت تستخدم لضرورات توضيحية لبعض الحروف ، إذ يتقيد الخطاط باستخدام بعضها مع بعض الحروف دون غيرها وفي مواضع محددة ، وسيتم شرح ذلك وتفصيله في حديث آخر بإذن الله تعالى .

إن موضوع التركيب لاتكفيه هذه المساحة الضيقة فالحديث فيه طويل ومسهب ، ولكن لابد أن ننوه بشأنه إلى مراعاة الضوابط التالية لكي نحكم بأن التركيب الخطي صحيح وجيد ومتميز.

وكما يأتي :

• الحفاظ على سلامة تسلسل النص ، وهذا يستدعي التتابع الصحيح للكلمات والحروف .

• التحسب الصحيح للنقاط في مواضعها بالنسبة للحروف المعجمة .

• وضع الحركات بشكل صحيح وبحسب الضوابط اللغوية .

• عدم اكتظاظ التركيب في موضع واختلاله في موضع أخر ، أي مراعاة التوازن بين الحروف والفضاءات البينية .

• تجنب التعسف في ضغط الحروف بحيث تبدو أصغر من قياساتها الصحيحة ، أو مط الحروف بشكل مبالغ ، وفي كلا الحالتين لابد أن يخضع الخطاط حروفه إلى تقديرات جمالية مقبولة ومحسوبة بشكل رصين .

• تجنب ظاهرة (التجليس) أي تقطيع أوصال بعض الكلمات وجعل بعض حروفها فوق البعض الآخر إلا بحدود الضرورة القصوى بحكم محددات المساحة وبالحد الادنى ، كما أن كثرة لجوء الخطاط إلى ظاهرة التجليس علامة من علامات ضعف التركيب .

• التحسب الصحيح لموضع تقاطع حرفين أو أكثر إذ لابد من الحرص على مراعاة التقاطع العمودي قدر الامكان وتجنب التقاطع المائل .

• الحرص على وضع (اسم الجلالة) في أعلى التركيب ، وعدم تثنيته لاسيما في التراكيب المتعاكسة .

• مراعاة دلالة النص وتوظيف معناه في بنية التركيب ، أي مراعاة البعد التعبيري في معالجة مفاصل النص (على ما سيتضح أكثر في حديث آخر بإذن الله تعالى) .

• وأخيرا ــ وليس آخرا ــ الإعتناء بنظافة الحروف والحركات وتهذيبها وصقلها ، مما يعكس رقي المهارة اليدوية وجزالة التنفيذ الخطي .إن الحديث عن (التركيب الخطي) طويل ومتشعب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعد جمعية الخطاطين العراقيين ​

اول جمعية في العالم تهتم بمجال الخط العربي والزخرفة الاسلامية . ورعاية الخطاطين العراقيين والتواصل مع جميع خطاطي العالم​

الصفحة الرسمية