الخطاط .. والمحاكاة الخطية (الحلقـة السادسة)

( المحاكاة الخطية )

يُعد مصطلح تعبير عن إنجاز فني يقوم بموجبه خطاط ما بـ (تقليد) عمل خطي لخطاط آخر إلى حد (المظاهاة) أو (التطابق) التام . والهدف من ذلك هو إثبات الجدارة المهارية ، والتعبير عن المقدرة الفنية التي من شأنها أن تعكس المستوى المتقدم للخطاط المحاكي بما يقربه أو يطابقه مع مستوى الخطاط الأصل . وظاهرة المحاكاة عُرفت في ميدان الخط العربي حتى بين كبار الخطاطين المحترفين ، وربما يكون الدافع الاساس ليس فقط إثبات الكفاءة الفنية والإعتراف الضمني من قبل الخطاط المحاكي بالمستوى المرموق لمنجز الخطاط الأصل ، وإنما تعبيرا عن الإعجاب الشخصي بهذا المنجز على نحو يحفّـز الخطاط المحاكي لتقليده ومجاراته بالضبط والإجادة والدقة والمعالجة المطابقة للاصل . وتعد ظاهرة (المحاكاة الخطية) ليست إنجازا (إبداعيا) لأنها لاتأتي بجديد وإنما هي تكرار لإنجاز خطي سابق ، وإنما الوصف الدقيق لذلك هو التعبير عن ( التمكن) و ( الإتقان) و(المطابقة أو المضاهاة) ، وإن الخطاط المحاكي قد توصل من خلال ذلك إلى المستوى المرموق للخطاط الأصل . ويخطئ من يتصور إن عملية المحاكاة سهلة ويسيرة فهي لا تقوم على أساس (الشف) أي وضع المنجز الأصل على سطح منضدة ضوئية ثم يضع الخطاط المحاكي ورقته عليها ويقوم بتحريك قصبته وفقا للحروف والحركات التي تتراءى له عبر الضوء . كما لايجوز أن يستخدم طريقة (البصم) أي نقل حدود الخط الأصل بقلم الرصاص مستخدما الورق الشفاف (Tracing paper) ثم يقوم ببصمها على ورقته كخط خارجي (Outline) ثم يسير بالقصبة والحبر بين الخطوط فتظهر الكتابة مطابقة للأصل بفعل هذه التقنية . ولهذا فإن الشرط الأساس لعملية المحاكاة تقوم على أساس المظاهاة بالنظر إلى الأصل والتنفيذ الحر معتمدا على مهارته اليدوية والمقارنة البصرية متحسبا لمواضع الحروف والحركات ومقدّرا الفضاءات البينية ، ولابأس أن يطابق النتيجة مع الأصل من خلال الضوء ليكتشف مواضع الإختلاف ، ثم يعيد الكَرّةَ مرة أو أكثر وصولا إلى المطابقة المطلوبة ، وبعد ذلك يقوم بتهذيب عمله وتنميقه ليبدو كالأصل تماما . وعملية (المحاكاة) بالحقيقة تعد مستوى متقدما للخطاط ، وإن كانت من أساسيات المشق أو التمرين ، فالمتدرب لابد أن يعتمد على المحاكاة في مراحل التعلم وتطوير الكفاءة الخطية في مراحله الأولى ، ولكن المحاكاة التي نقصدها هنا هي مرحلة يصلها الخطاط بعد أن يبلغ مستوى مرموقا من الكفاءة والمهارة والتجويد ، ومن الأمثلة المعروفة في الوسط الخطي هي محاكاة الخطاط الكبير المرحوم (حامد الآمدي 1891 / 1982م) لسورة الفاتحة الي خطها الخطاط الكبير المرحوم (مصطفى الراقم 1758 / 1826م ) ، ويُذكَر أن حامدا قضى ستة أشهر يتمرن عليها حتى تمكن من خطها طبقا للأصل ، وهذا يعني أن عملية المحاكاة تتطلب تمرينا طويلا حتى يتمكن الخطاط المحاكي من تحقيق المحاكاة بصيغتها المضبوطة والمطابقة والمتقنة . ولابد أن يراعي الخطاط المحاكي قياس القلم بما يتطابق مع الأصل ، ولابد كذلك أن يثبّت عند وضع توقيعه اسم الخطاط الأصل ، كأن يكتب (كتبه فلان نقلا عن فلان) لأن ذلك من ضرورات الأمانة الخطية التي لايجوز التساهل بها على الأطلاق .

بقلم د. روضان بهية داود

رئيس جمعية الخطاطين العراقين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعد جمعية الخطاطين العراقيين ​

اول جمعية في العالم تهتم بمجال الخط العربي والزخرفة الاسلامية . ورعاية الخطاطين العراقيين والتواصل مع جميع خطاطي العالم​

الصفحة الرسمية